مشاوير 74
إسمي هند وأنا أسكن مع أسرتي في نهاية الشارع بعد محل البريوش .هكذا بادرتني قبل أن تعلن الاستاذة انطلاق العام الجديد ..ليس ثمة طقوس غريبة مثلما هي عندنا في مدرسة الخضراء.تكلمت الاستاذة عن الجهاد في التعليم واعتبرته مثل الجهاد في سبيل الله .قال رسول الله هكذا رفعت الاستاذة صوتها وهي تقول …من ذهب في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ..ثم نظرة إلي..ما أسمك قلت عبدالفتاح ..ابتسمت في وجهي تم مسحت على فروة راسي .أنت مجاهد أيضا..
هي لا تعرف حجم معاناتي والجهاد الذي خضته في حياتي .الدنيا كلها تكالبت علي كان أول الجهاد مع السحرة والمشعوذين .ثم الجهاد الاخر يوم التحقت بالمدرسة .كنت صغير جدا وكان علي ان اقطع مسافات طويلة لأصل الي المدرسة .أمر علي الدارات الغريبة وعلى المقابر المتناثرة عبر السفوح والتباب وكان علي ان اسلك درب النهر كي لا أضيع وعندما أشاهد أعمدة الكنيسة أضحك في عبي لان هدفي قريب ..
كان أول يوم لي في المدرسة القديمة أهدتنا المدرسة علب الحلوي المعجونة كانت مزيج بين السمسم والتمر واهدتنا حليب تاورغاء المميز .لازال طعمه في فمي .أصطف المعلمين في الساحة الكبيرة والقي ناظر المدرسة خطبة عظيمة عن الدور الذي ينتظره منا الوطن عندما نصبح رجال يافعين .ثم يختم كلامه قائلا..أمل البلاد على رقيي شبابها ..اما هنا في هذه المدرسة التي تشبه بيت اسرة ثرية .بثياب اطفالها وأناقة المعلمات اللواتي لا يكففن عن لوك العلكة طوال اليوم .وهند لا تكف عن النظر الي .أعرف تماما ما يدور بخلدها ربما لا تستطيع آن تفصح عنه .ثقافة المكان الذي هي فيه اعطتها حرية التصرف في رمي الالقاب علي من هو مثلي .وهي تعتبر نفسها من الاسر الراقية التي ترتاد البحر وتسافر الي الخارج كل عام مرتين .ولها الحرية ان تكشف عن ساقيها للريح .أما انا القادم من بلد الزيتون والمشماس وأقصي ما تكون أسفارنا الي مدن الجوار .لا نأكل البريوش لأن طعمه لا يليق بنا .ما كان اسم بلدكم فقلت الخضراء.ضحكت البنت ثم أعادت خصلات شعرها التي هجمت فجأة على وجهها البريئ الذي يشبه حبة مشماش .فقلت هل تعلمين أننا في الخضراء نعيش وسط التاريخ ،لم نعادره حتى ألان تحيط بنا الحضارة من كل جانب .عاش الرومان بيننا مئات السنين تركوا كل شيء ورحلوا .تركوا قصورهم وممالكهم .لم نر الا أثار اقدامهم وهم يتسكعون قرب نهري كامبس وسيليبس .تصرفوا في ارضنا كما أرادوا وبنوا مدينة كاملة تحت الارض وهي الان تحتاج الي فتح عربي جديد .
أما أنتم لا ترون الا الامبراطور سبتيموس الذي رأيته ذات مرة يحث روما ان تعود وهو يرفع يده لكي تراه .
علي غالب الترهوني
بقلمي