التراب ...1....
لا أذكر من تفاصيلها إلا القليل .سوى أنها طويلة القامة .ونحلية إلى درجة أن من ينظر إليها للوهلة الاولى يعتقد أنها خيال رمت به ألأساطير. تذكرني بسكان الادغال الموحشين.غير ان الفرق بسيط جدا بيها وبينهم.هم يزأرون بلا سبب وهي تبكي بلا سبب .الصدفة وحدها من رتبت سكنانا إلى جانب سكناهم . كان الحي عامر بالسكان .تحيط به المروج وتنساب مع الهضاب مثل موجة خضراء .ترتفع أحيانا فيبدو المنظر مثل بساط أسدل على ظهر جمل . ثم مايلبث ان ينطوي مرة اخرى .فكأن الصورة لم تتغير حيث يسري المرج بدلال ليغطي مراتع السهل الجميل .قد لا تبدو البيوت متلاصقة مع بعضها كما هو الحال في مدن الشمال لكن الشقة كانت بعيدة رغم إلتحامها وإرتباطها بجدار طوبي عبر مساحة كبيرة على هيئة مربع تتوسطه حديقة مربعة غفلت عن ظلع واحد .أما هنا فالناس لا تسمح بمرور قافلة بين البيوت تلك المسافة هي التى تفضل بين البيوتات المتناثرة .
كان بيتنا على التل المتاخم للطريق الرملي .كلما فتحت نافذة الديوان المطل على فضاءات رحبة استمتع كثيرا .تبدو الدنيا أجمل من فوق تل اخضر . قصدناها ليلا ونحن نحمل ذخر سنين من الشقاء .هكذا كانت أمي تصف رحلة القدوم إلى الدخيلة ربيبة النهر والواقعة على مسرى الطيور.أينما إتجهت تسمع أصوات الملائكة .يوم قدمنا نجر خلفنا قافلة من الدواب لا ينير دربنا سوى بصيص خافت ناعس لضؤ جاهد كثيرا حتى يسعدنا .سمعت أصوات غريبة اثناء الطريق .حين نصعد التلال يأتينا السديم بأصوات الذئاب وابن آوى .كانت نبراتهم مخيفة .تنتهي برعشة مفزعة .كانوا مجرد أطياف مقلقة لنا لكننا لم نبالي .أبي حاول جاهدا أن يشد من عزائمنا كي لا نخاف .فيقول مازحا دون أن نرى تفاصيلة في الحلكة الطاغية.معنا أسلحة كثيرة .معنا الله ايضا فلا تخافوا . وعندما يأخدنا المنحدر فنجد أنفسنا بين تداخل الاحراش حيث يبدو النهر قريبا جدا من الغابة الصنوبرية .أعرف بعدها أننا قد إجتزنا المعابر الوعرة عندما يلامس نسيم الليل وجوهنا غير ان الدرب طويل ..عند الفجر وصلنا اول بيت في الناحية .كان قريبا من التل علمت بذلك في الصباح .كان حضي جميل أنني شهدت تسلل أشعة الشمس من بين زحام الغيم أحيانا والافق كان بعيدا .كانت الناحية كلها تبدو مثل الواحة الرابضة بين التلال .ثمة أودية وماء اسمع صوته ولم أراه.
سرعان ما إنتبه لوجودنا سكان البيت . اخواتي كن نائمات على قبب الجمال .أنزلتهن امي على الارض . ومتى بحثنا على شربت ماء حتى سطع قرص الشمس بكل أبهته .فتحت نافذة من تحت سقيفة بمقدار ثلاثة عشر مترا. كانت النافذة مطلية بلون بني ومن الخشب الذي يستعمله صانعي الاثاث التركي .لا بأس بها وعندما أنفرجت ظلفتي النافذة وقد ثنتهما يدان نحيلتان وقد تاكدت امي ان من قام بذلك فتاة صغيرة .لا يتجارو عمرها ثمانية أعوام .نادت عليها بصوت خافت .يا أبنتي أحضري لنا كأس الماء ..دلفت البنت إلى الداخل وبعد لحظات سار إلينا رجل مسن وفي قفاه غجوز تتوكأ على عود خيزران .يا مرحبا يا مرحبا .كانت هذه هي البداية .
أدخلونا البيت وقد قامت علينا تلك النحيلة الضامرة .عرفت ايضا ان إسمها مبروكه وأنا اسمعي سعيد أجبت على سؤال الرجل المسن وهو يقدم لي خبز الشعير .
لا أدري ما هذه العادة السيئة التى كنت أمارسها منذ ان بدأت أدخل بيوت الناس أين كنا نعيش على تخوم المدينة .كان البيت الذي قصدناه ينعش كثيرا واثناء ما كانا في الخارج عطرته النحيلة بالوشق الهتدي ورشت على الستائر عطر من النوع الملائكي .يبدو ان أحدهم قد زار مكة مؤخرا لان هذا النوع من العطور لا يمكن ان يعثر عليه أحد إلا هناك .ثمة ممر بمقدار متر ونصف توارى بعيدا .لابد وإنه يستر غرف كثيرة عن عيون الغرباء وانا غريب .سكنت روحي قليلا .بعد ان قدم لنا البيض المسلوف والجبنة البيضاء وعصير التوت الاحمر .بدأت أقلق بمجرد ان وردت لي فكرة التسكع وحدي بين البيوت .لا يمكن ان تفعل ذلك قال أبي.وكان يستنجد بالرجل المسن كان يود ان يرد على كلامه .لكنه بقي صامتا .يتكلم فقط حين يحثنا على تناول البيض .هذا من مزرعتنا نحن لا نشتري البيض والسمن والعسل .قال المسن بتفاخر غريب .والدي أراد ان ينهي كل شئ بأقصى سرعة .
لم تقل لي ياحاج هل يكفي ان ندفع سبعون دينارا نظير أجرة البيت الذي إقترحته انت .سنكون سعداء إذا ما سلمتنا المفتاح .وكانت الصدمة كبيرة عندما قال المسن .نحن لا نقفل بيوتنا ابدا .وكانت صدمتي الاخرى حين عرفت سليمة ذات القوام النحيل ..لكنني بدأت أحن إلى الخبز أمي.
على غالب الترهرني
بقلمي