" العودة المُحزِنة الى بيت العزاء " قصة قصيرة.
حين تمتطيني غربة داخلية ، وادخل في جوف الفراغ ، ويصيبني خواء اللغة اللعين وأطيل في الغياب ، عنده دائماً ما استعرض جنازتي المهيبة وموتي المفزع ودموع الاصدقاء وكلمات التأبين والرثاء المفعمة بالحب و بالنحيب و بالاخطاء والكذب والمبالغة ، وتطفق أسراب من الذكريات تجتاحني بعنف ، ذكريات احداثها حزينة ومؤلمة، مفرحة و مضحكة، شاحبة وملونة.
انه من المؤكد أنك لا تستطيع ان تكتب عن تجربة عشتها بنفسك بدون لغة ، ولكن يجب ان تعيش أكبر قدر ممكن من التجارب قبل ان تشرع في الكتابة عنها ، وإذا أردت ان تعرف مدى حرارة حقيقة الناس وصدقها اتجاهك لابد ان تموت اولا.
(1)
بعدما انفضت مراسم دفني، وسمعت اخر حركة رِجٓلْ من ارجل المشيعين قد غادرت المقبرة ، نفضت تراب القبر من فوق جثماني ، ثم أزحت مجموعة من حجر الصوان التي كانت تجثم علي أنفاسي.. التحفتُ برداء اكفاني وأمسكت بتلابيب سروال ابيض بدون تكّة وسبقتهم آلى هناك .. عدت مسرعا قبل ان يعود المشيعون الي صالة العزاء ، فالموت في الحقيقة يٓخْفِيك في جوف فراغ حاد، ويدفنك بمقبرة مظلمة علي طريق صحراوي موحش، ولكنه يلبسك طاقية الاخفاء فترى الناس عن كثب دونما يلحظوا وجودك ..تقرأ افكارهم .. تتطلع علي حقيقتهم .. تشاهد تصرفاتهم دون مكياج..تقترب اكثر من حقائقهم الصادمة ..تتلمس خفاياهم المدفونة خلف الضلوع.
(2)
اول الواصلين الي سرادق العزاء من أصدقائي بعد عودة المشيعين كان عبدالله، صديقي عبدالله الودود الكريم كُنْتُ مديونا له قبل وفاتي بمبلغ من المال .. مائة وخمسون دينار، كان قادما وكنت اسمعه وهو يتمتم ويهمهم من بعيد : " زعمك دين المرحوم مية وخمسين أم مية وسبعين ..؟ زعمك من بيخلصني ؟ خوت ماعنداش.. وبن عمّينه اغلبهم مافي ابطونهم كان اميه " .. وقبل ان تطأ قدماه عتبة الصالة أسرعت له وجذبته من جلبابه .. فزع وارتهب وهمست في أذنه : ردّ بالك تطلب شيء، هدرز او روح ..مض شفتيه.. مصّ ريقه وغطّت سحابة صفراء كامل وجه، ثم أوم براسه علامة علي الموافقة وغادر المكان على الفور.
(3)
في الركنٍ القصي من الصالة كان عمي اصميده ينفث غليونه في كبد السقف،وحين وقفت عليه وجدته يبكي بحرقة..سرَّني حجم اللوعة التي تتربع عليها روحي الفقيدة فوق منصة قلب عمي اصميده العامر بالطيبة، فأخذت أُواسيه وأُصبِّرهُ وأشد من عزمه واحدثه : " ان موتي حق، وان دعوة ساعة رحيلي قد أتت،ولا مناص من التلبية ، وان البكاء علي روح الميت تطرد انفاسه من المكان يا عمي اصميده ".. صمت برهة .. أجابني دون ان يٓتٓعرّف عليّ : انا مش واجعني المرحوم ، هو وانفاسه في ستين داهية ، انا واجعتني أمه السمحة المكلومة والتي فقدت الْيَوْمَ فلذة كبدها الوحيد ..ثم تنهد تنهيدة ممزوجة بحسرة وأسي.. وأكمل :- بعد وفاة والده بعام خطبتها لنفسي ورفض زواجنا هذا الدّعي ..الله لا تسامحه.. حرمني من بناء عِش خاص يجمعني انا وأمه بين جذعي شجرة بلوط تطل علي ضفاف نهر الدانوب..
(4)
علي كراسي البلاستيك في فناء الصالة الخارجي يتصدر الجالسين جندي هارب من الجبهة يحكي لمجموعة من المعزين من طرابلس كيف استطاع لوحده تدمير ثلاثة عربات بقذيفة واحدة في الحرب الثانية ضد الغزاة ، وحين طلبت منه ان يخفّض عدد العربات المدمرة احتراما لرهبة الموت ، وتقليلا من الخسائر في الأرواح .. شتمني وسبّ أمي وتلفّظ بالفاظ نابئة.
(5)
اكثر المواقف المحزنة في ذلك المساء الحزين والتي ألمَّت بي، وحزّت أوردة قلبي، هي التي أتت من صديقي رمضان ..في البداية استقبل رمضان المعزين وهو في حالة شبه إغماء مثأترا لرحيلي المفاجيء ، ثم بعد ذلك اشرف على تفاصيل تقديم وجبة العشاء للحضور ..بعدها شاهدت رمضان في مدخل الصالة يقوم بحركات مُريبة وغريبة ، تارة يشير بيده الى أحدٍ ما ، وتارة بأطراف أصابعه لآخر ، ثم شَيّع حاجِبيه اكثر مرة ، غمز بعينه باتجاه وسط الصالة ، وكأنه يريد ان يستدعي مجموعة من الأشخاص اليه ..اقتربت منه وسلئته :- شن في يا ارموضه .. خيرك ؟..ارتبك .. تلعثم ..اغرورقت عينيه بدموع صناعية وأجاب بصوت اجشّ : " بنديرو ختمة للمرحوم " ..في الحقيقة لم أصدقه ، فسرت خلف المجموعة ..اتبعتهم الى عند بيت مجاور لصالة العزاء.. وجدت رمضان يترأس بنفسه جلسة سداسية دائرية ويمليء بصوت خافت على رفاقه شروطه في مسألة التصكير فوق بجول في لعبة الورق..أبكتني في الحقيقة قلة الوفاء وعدم الإخلاص في شخص كنت اظنه انه سيقيم مآتم احزان لمائة عام حزنا على رحيلي كما فعل الزير اتجاه أخيه كليب .. خاطبته من خلال نافذة الغرفة : عيب يا رمضان احترم رحيلي ، واكرم موتتي..رد عليّ دون اكثرات :- اكرام الميت دفنه وقد قمنا بالواجب..لن يكون رمضان "بنادم" على أية حال حتى بعد مائة عام وهذه هي المقصلة.
(6)
عدت من عند رفاق رمضان اجرُّ قدماي المثقلة بالخيبة والخذلان من اقرب أصدقائي وتركته يرقص علي جثتي .. مررت بعدها علي اول مجموعة تجلس في بداية الصالة على اليمين " بها حموده ولد الحاج سالم" .. الحاج سالم رجل طيب وخلوق ومتدين وطوال الوقت يمضغ مخدر القات ويبصق فضلات اوراقه في اتجاه اول مار من أمامه ، لا يسكن بين جبال تعز ، ولكنه يعيش وأسرته تحت خط الفقر ببني وليد، ويعول أسرة كبيرة، ووصلت الفاقة والعازة اعتاب بيته..واضطرّ ان يبيع اثاث غرفة نوم ابنه حموده الذي عجز عن إكمال نصف الدين له.... كان حموده في تلك اللحظة يبكي ويدرّ دمعا غزيرا ويشهق من شدة البكاء ، ربت العم مصطفى على كتفه ، ثم ضمه الى صدره وبدأ في تهدئته :- " هذا حد ساعته ياحموده .. ماه وملحه خف ّ
..ادعي له بس ان يجد رفاقاً خيرا من رفاقه ..وجيرانا خيرا من جيرانه .. وسامحه يا حموده .. ".. "الله يسامحه من يوم عرفته الى الْيَوْمَ " رد حموده.. ثم اكمل حديثه الباكي :- "والله ياعمي مصطفى ما واجعني رحليه، بقدر ماواجعني بقاء ميسي وحيدا في خط الهجوم بالكامب نو" .. يا الله كنت اعتقد انا وعمي مصطفى ان حموده يبكي فراقي ،وإذ به ينتحب لرحيل نيمار عن برشلونة ..حموده ليس له صاحب، وكنت استغرب كيف سيكمل له الحاج سالم نصف دينه وهو ليس له دين أصلا ، ولكن المؤسف حقا ان حموده المفلس والذي يعشش طائر الفقر في زوايا جيبه ، يبكي من اجل رحيل لاعب يملك مئات الملايين من اليورووات.. والكارثة ان حموده ينتحب لاجل فراق رجل ينام الان في أفخم فنادق أوروبا ، بينما يستعد حموده للنوم في غرفة خالية من الاثاث كليا .
(7)
أسوأ ما عرفت في الدنيا وقبل مغادرتي لها عمي جبرين..عمي جبرين صاحب سيارة كنتر .. له عينان حمراوتان من جرا نصب الفِخٓاخ لطير "الوروار" في عز الظهيرة في مزارع التين الشوكي ..يعول أسرة من عشرة أفراد، ويستمع دائماً لفيروز وهي تغني عن ذلك الطير.. سأل جبرين المحيطين به :- زعمك "كنتر" المرحوم العاطلة خمس دادووات أم ستة..كانت عيني جبرين ترسل إشارات سالبة باتجاه الشكورطه .. وعندما لم يعره احدا اهتماما لسؤاله المطروح ، غيّر الموضوع ..ثم انبرهم مرة اخرى بتساؤل :- زعمك عيلة المرحوم بتقعد علي بناويتها أم بتمشي تخدم علي رأسها .. اول مرة اعرف شيئين : ان زواج المرأة من رجلٍ ثانٍ بعد وفاة زوجها الاول هو نوع من انواع الخدمة علي الرأس . وان المرأة بعد وفاة زوجها يمكن ان تُمارس دور طير "الحمرايه" فترقد على فِراخِها ..في الاولى تكلم عمي جبرين بمنطق سائقي الشاحنات ، وفِي الثانية تكلم بمنطق صائدي طيور الوروار.. وفِي الحالتين عمي جبرين شخصية مخلوقة من طين يشبه الى حد ما طين شعبة "سقنه" لا يصلح الا لصناعة الافران ، وقادر على ابتلاع حطب جنهم في جوفه كل مساء
(8)
غادرت اخيراً صالة العزاء لاتفقد بيتي لآخر مرة ..كان البيت يحفلُ بالعبث ..كان يشبه الى حدٍ ما سطح سفينة التايتنك قبل ان تغرق .. هرج ومرج ..صياح وعويل ممزوجا بضحكات مدوية ..لاحظت اولا جارتنا الحاجة سليمة تطوف على المعزّيات في وسط البيت وتعرض عليهن بضاعتها لغرض البيع .. طواسي شاهي..اواني فخارية..احمر شفاه..إبر أنسولين ..كريما اساس..جوارب لحم..سكريات..فيما كانت عمتي أم السعد تحوم حول فتاة جامعية موفِدة للدراسة بالقاهرة لأجل ان تتعرف عليها لعلها تكون زوجة مناسبة لابنها سامي رديف الإعدادية وسارق فرح النحاس من أعراس أسلاك الوطن القبلي..رأيت اختي مبروكة وقد مزقت خدودها بأطافرٍ حادةٍ وترأت لي من بعيد كأحد أعضاء فرقة البوب وهي تضرب فوق رقع طبل أفريقي وتقفز وتصيح.. ثم أخذت نفسا عميقا وخاطبت الحاضرات : خوي شهيد .. خوي مات شهيد .. وهي تعرف ان دار الافتاء لم تحسم بعد مسألة اضافة الموتى بسبب ضربة مكيف الى قوائم الشهداء..
في زاوية احدى غرف البيت تجلس امرأة منيفة تتسربل برداء ابيض انيق زادها نقاء وطهارة ..زوجتي الغالية .يممت صوبها .. جثيت على ركبتي أمامها..أمسكت بيدها.. خاطبتها :- أردت ان أكون لك ولبناتي .. بيل جيتس..طاطاناكي..حسني بي..مُهرب افارقة.. حاولت ..لكن تعبت ..تعبت كثيرا..إياك ان تضعفي..إياك ان تمدي يدك لأحد .. لتحترق كل العملات الورقية في قاع السعير .. آه ..في الخزنة الخالية تركت لكِ كتابات وقصص قالوا عنها متابعي صفحتي انها رائعة وبها رائحة من الإبداع .. ان احتجتِ بيعي قصتي " تيس الجبل " في أسواق الجفرة ، فهناك أُناس يقدرون قيمة أدب المعيز خاصة " التّهري والبتّي ".. لقد نفضت يدي من كل شيء وغادرت ..
(9)
قبل ان يسدل النهار ستاره ، ويحل الظلام الدامس عدت مسرعا الي المقبرة ، فهناك تمام ليلي ولا اريد ان أضع حارس المقبرة في موقف محرج مع كبير الحفّارين حين يلحظ غيابي..وصلت وفوجئت ان ثمة شخصا ما يقتعد حافة قبري. انه جاري الميت الذي سبقني الى هنا قبل يومين ، وقد استولى على نصف القبر وكتب عليه لافتة : "هذا ملك مقدس لعائلة الكزّه"..لم أشأ ان اثير معه أية مشكلة ، فهو اولا جاري ، وثانيا يحمل بين طيات كفنه مسدسا بلجيكياً ، ولا اريد ان اموت مرتين خلال نصف يوم ..حاولت معه بهدوء ولكنه رفض بحجة ان زوجته قادمة اليه قريبا، ويريد ان يرتب لها استقبال حافل في قبر فسيح يليق بمقامها..بت تلك الليلة في وضع القرفصاء في نصف الاخر من القبر بعدما تدخل كبير الحفّارين..وفِي الصباح اتصل حارس القبور بجمعية السلام لنقل رفاتي الى مدافن الافارقة .. النوم مع الأموات من الافارقة يحتاج لغة اخرى ويحتاج شخص يحمل صفة "ثنائي اللغة" وانا وللحظ السعيد أجيدها نطقا وكتابة ومعنا.
وقعت هذه الأحداث المبكية والمضحكة في خلال نصف يوم بعد وفاتي ورحيلي ، نكباتنا اللعينة غيّرت سلوك الناس فتلبد فيهم الإحساس ..ماتت المروءة وانتترت الشهامة ..بعد التاريخ المشوؤم لم يعد يعني اي احد لأي احد اخر شيئا .. تهتك النسيج الاجتماعي ودُمرت الروابط الاسرية ..سُلِبٓتْ أسلاك الكهرباء من عفتها، وفُضّت بكارات أعمدة النور.. تحجّرت دموع النهر العظيم في مآقي عيون سابقة الإجهاد، وانتشر العطش والقحط معا وأممت اللصوص آبار النفط ، وضيعّ الرمم الاعتذار..

