كان غضبُها يلتفُّ حولها كإعصار، وهي تدورُ معه بسرعة الهذيان،
كانَتْ عواصفُها تضربُ بشدّة؛ كانت اللغةُ إحدى ضحاياها، مزّقتْ أشرعتها،دمّرتْ مرافئها،وصلبتها على خشبة عنادها..
كانتْ تتقدّم بسرعة، تتقلّبُ كالسيل، تحطّمُ، تعبثُ.. كان الجنونُ يستبدُّ بها، أنكرتْ كلّ شيء بلحظة،
الغاباتُ التي كنّا زرعناها معاً أضرمتْ فيها النيرانَ، شرّدتْ غزلانها، وطيورها،وحطّمتْ أحياءها،وحاراتها؛
لو رأيتم ماذا فعلتْ بحيِّ الياسمين،وحيّ الجداول ،وحيِّ الزّهر
ولو رأيتم ماذا فعلتْ بحيِّ القُبَل ، وحيِّ القمر وحيِّ السهر!!!!
مركبي البنفسجيُّ قذفتْ به إلى عرض البحر، قيل لي إنّه محطّمٌ في جزيرة لا يصلُ إليها الطيرُ، جزيرةٍ من موجٍ ورملٍ، وبقايا موقدِ بحّارٍ قديم...
كانت ليلة ً باردة، وفي موقدي حطباتٌ تنازع الدّفء ، كان هذاالدفء آخر ما أملكُ.. خسرْتُه
...
لماذا ،سيّدتي، أغلقتِ أمامي ألف بابٍ للصدق، ودخلتِ من ثقبٍ للشكّ؟
لماذا هببْتِ عليَّ كالعاصفة ، وأنا أنتظرُ نسماتِ الفلِّ والقرنفل التي كانت تزيّنُ موكبكَ إليّ كلّ ليلة؟
أتظنّينَ أنّي لا أغارُ عليكِ؟
غيرةَ مراهقٍ وهويتقلّبُ أمامكِ كماء تتقاذفه الصخور، ولكن حبّذا لو رأيتِ غيرتي وهي تعيش رهابَ غديرٍ ساكنٍ عميق...
غادرْتِ من دون وداع، ألا ترين أنّ ما بيننا يجبُ له وداعٌ يليق به؟
غادرتِ بجناحيكِ في لحظة كان جناحاي مبتلّين،
غادرتِ ، ولم يبقَ ما أخشى عليه غيرك،
غادرتِ وثمّة مشعوذون بلباس ملائكة على قلوب شياطين يتربّصون..
أعرفُ أنّكِ بكيتِ في تلك الليلة،
وتشظّيتِ، وأعرفُ أنّكِ تنتظرين كلماتي... لماذا ؟ لأنّكِ تراهنين على أناتي وحكمتي، ولأنّكِ تدركين أنّكِ مضيتِ بحماقتكِ إلى أبعد الحدود
بربِّكِ، قولي لي: هل هي المرة الأولى؟ التي أتلقّى فيها نوباتِ جنونكِ؟،
هل كنتِ مضطرّةً إلى كلّ هذا ؟، كنتُ أتلقّاكِ بين ذراعيَّ ، والآن تنظرين إليّ من النوافذ؟،
أنا سأبقى أنتظركِ كلَّ ليلةٍ، ولكن.. لأضعَ وردةً على ما قضى اغتيالاً على يديكِ
(عبدالله زين الدين)
_الليلة الثالثة للهجرة_