متاهة (1 )
5 شارع دمشق ...
قرابة الساعة الواحدة فجرا .حين وصلنا مطار القاهرة .كنت قد مررت عليها مرة واحدة عام 1994 م .كنت ضمن فريق الحج الذي إعتلى ظهور الإبل في رحلة من طرابلس إلى مكة .عندما رفضت السعودية إستقبال الحجيج الليبيين عبر الطائرات في مطاراتها. .كانت رحلة تحدي هي الثانية من نوعها بعد زيارة الحجاج للقدس .كما وصفها الزعيم الليبي في ذلك الوقت ..
كان في إنتظاري أحد أعضاء البعثة الليبية في المكتب الشعبي (السفارة ) .في الطريق إلي المدينة حدثني مرافقي عن القاهرة .قال أنها مدينة الليل .لا يبدو عليها النوم أو الإرهاق. تستقبل روادها بحفوة تفوق حلاوة قصب السكر الذي إشتهرت به محال وسط البلد .
الشوارع فسيحة تظللها الأشجار من الضفتين. والزحام على أشده أينما وقع الصبر .المسافة إلى حيث إستأجر لي أحد الأصدقاء ممن كان مقيما منذ زمن .لم تكن طويلة لكن الزحام جعلها أطول كما أتصور ..مررنا على النيل العظيم .تبدو على ضفته أضواء بأشكال مختلفة تعلو أسطح المطاعم وقوارب السياحة كأن الناس تتتبع خطى يوسف النبي .بعد أن صار ملكا وتحققت رؤياه ..كان النيل زهاء مصر منذ الأزل .لذا يعتقد فيه الناس أيما إعتقاد .فهم لا يطيقون فراقه أبدا ..شيدت الفنادق بأبهى صورها .وإرتفعت منارة القاهرة تتطاول على البرج العملاق ..وأينما أجلت البصر ثمة مآذن وقبب الكنائس ولا فرق بين مسلم أو مسيحي إلا بالولاء للوطن .
قال رفيقي ..غدا صباحا نزور الأهرامات ..شيشنق العظيم الملك الليبي من الأسرة الخامسة والعشرين كان أحد حكام مصر القديمة .ونفس أهرامات الجيزة كما تعلم يوجد مثلها في ليبيا مدينة جرمة الأثرية .هناك أكثر من أربعين هرم ولكن أقل حجما ..ثم نظر إلي وهو يقود السيارة بأنتباه شديد ..حضارتنا واحدة لكنها لم تجمعنا .فرقنا الجغرافيا ..لم يعد بمقدور التاريخ أن يجمعنا ..ها قد وصلنا شارع سوريا عما قريب ندخل شارع دمشق عليك أن تنتبه منذ الآن. .قد تضيع وسط الزحام ..(وراح يضحك بشدة ) ثم قال ..أسماء الشوارع هنا بعضها يحاكي عاطفة عربية غائبة. وبعضها يحاكي تاريخا صنعته همم المصريين ..
تبدو العمارة ذات الأدوار الأربعة .مصممة بطريقة هندسية رائعة كأنها فيلا متماسكة .هي ملك لوزير سابق .يقطنها رجال مسؤولين في الدولة ..كانت تقيم في الدور الأول أرملة القائد محمد نجيب .والدور الذي يليه الفنانة اللبنانية .نجاح سلام ..والفنانة المصرية فاطمه عيد ..وآخرين لم يسعفني الحظ بالتعرف عليهم ..
عند باب العمارة كان في إستقبالنا البواب الذي مازال مستيقظ حتى تلك الساعة المتأخرة من الليل .قال أن إسمه عبدالله .يبدو صغيرا في السن قصير القامة ونحيف إلى الدرجة التي جعلتني أشفق عليه ..من الفيوم يا بيه ...هكذا عرفني عن نفسه .يالا بينا ..شقتي في الدور الثالث رقمها سبعة .إمتازت باناقة لصغر حجمها .تطل مباشرة على غابة من الاشجار يتخللها شارع دمشق إلى أن ينتهي عند مشفى عريق يحمل ذات الإسم. .سأخلد للنوم هذه الليلة لأرى هل أنا في حلم ...
_________________
على غالب الترهوني
بقلمي