من وحي الغيث
في عادات البادية، وتقاليدها؛ تتناغم التفاصيل، وتتشاكل نواميس الحياة مع الأشياء بشكل انسيابي، ومن تلك التفاصيل؛ ذلك اليوم الذي بدأ بعد ظهيرته بنسمة شمالية غربية رطبة صافحت (ارفاف) بيت الشَّعَر من جهته اليسرى، وكأنها فارس يتمايل فوق جواد أزرق؛ يبادره أبي: (إيسارها) فرحًا بالضيف؛ لتبدأ حكاية ضيف على بيت أتخذ من (البحيرة) عرينًا ومن (العِرق) بابًا يطل من خلاله على تفاصيل الطبيعة في منتصف شهر (فورار/2) الذي بدأ فيه الجو يلتحف بالبرودة، والوقت قرابة الثانية بعد الظهر؛ يخرج أبي من البيت فينتصب عند (شارب البيت) متجهًا بنظره نحو الشمال الغربي معانقًا تلك النسوم الباردة التي تزداد نشاطًا؛ يتبسم أبي ويتمتم: (فال على الله الكمال) لقد رأى، أو أحسَّ شيئًا استبشر به؛ نعم إنه المزن/السحاب، الذي تراءى له في نهاية الأفق باتجاه الشمال الغربي؛ يرقب هذا، ويرقب ذاك -أبي والسحاب- وكأنهما على موعد بعد شوق كبير؛ نعم إنه مجئ على شوق وتوق؛ فهذا الضيف لم ينزل بالحِمى منذ غُرَّة أكتوبر (الخريف) ونزوله في هذا الوقت (ذُكَّار) يدخل أبي البيت؛ يجلس متربعًا في ثلثه الأمامي من جهة اليسار متجهًا القبلة، ويأمر باستعجال طاسة الشاي؛ فتأتيه على عجلٍ ، وقد استوت؛ يأخذ (الرشفة) الأولى، ويقول: (بتدير شروة) فتقول أمي: (قرة العنز) يرد أبي: (بادية بالمطر/رأس عين) ثم ينادي: يا محمد (16 عــام) (ألحق خوك/26 عام؛ لحق سارح الغنم من الضحى، وقول له يجيب جدي ديروا عليه عشاكم) يخرج محمد مسرعًا؛ فهممتُ أنا (10 سنوات) بالخروج معه؛ لكن أبي نهرني (أقعد خوك فيسع بيولي) فرجعت لأخي صغير العائلة (5 سنوات) لأنفث فيه بعض غضبي؛ فيصدر متحايلًا أمرًا بالنجدة من أبي الذي لا يتردد في تقريعي بنظرة أشدُّ إيلامًا وتأديبًا من (فلقة من شيوخ الكتاتيب) في تلك الأثناء تخرج أمي في صمتٍ، وعلى عجلٍ ؛ وكأنها أخذتْ أمرًا ملكيًا من أبي: أن أخرجي وتفقدي بيتك؛ لم أسمع ذلك الأمر؛ لكنني تحسسته في سلوك أمي؛ حتى أنها تركت (غُطايتها عند شارب البيت) لكنها ظلت تلتحف بـ(البخنوق) الذي شُدَّ وثاقه وكأنه مشدودًا بأوتادٍ ظُربتْ بقوة في صلصال الأرض!!! اعتراضية -في صغري؛ لم أرَ شَعَرَ أمي- لكنني قليلًا ما رأيتها تنتعل حذاءً؛ خرجت أمي باتجاه (ارفاف) البيت لتبدأ هندستها في مواجهة الطبيعة، كُنتُ أُراقباها من (الشارب، وعيون الستار) كانت تشد وترخي؛ تصدر الأوامر للأوتاد والأطناب؛ بشدٍّ هذا، ورخي الآخر؛ وكأنها في مجاراة لبيت شِعرٍ لا لبيت شَعر؛ تجاري في (أطناب البيت) وتُتمتم لأركانه: أن استعدي لمواجهة الطبيعة؛ فلم يسبق أن طاح، أو تراخى بيت "احنين" قالت بيت "احنين" ولم تقل بيتي مع أن الموقف يستدعي أن تنسب البيت لنفسها؛ فهي الصانعة، والبانية، والمرممة؛ لكن المعنى عندها تجاوز الأنا؛ فهي ترى نفسها إحدى أركان البيت الذي يحتويه أبي. وفجأة تصدر أمي أمرًا لإحدى أخواتي يا (فلانة: زيدي سيدك طاسة شاهي) وتصدر أمرًا للأخرى: (دخلي الحطب من الضراوات لركن البيت) ولمن لا يعرف الضراوات هي: مجموعة متراصة متراصفة من شجر الرتم تُبنى بأطراف البيت على شكل مائل قليلًا لا مستقيمًا ولا دائريًا، وعددها ثلاثة: واحد في الطرف الشمالي من البيت، والأخر بالوسط، والثالث من الحنوب، وتعتبر (الظراوات) سواتراً عن الريح؛ كما أنها مكانًا لتطيب الشاهي، والطعام، والسمر في بعض الأحيان. تصدر أمي أمرًا آخرًا لأختي الصغرى (وتي فراشاتكم) إنه يوم الأوامر، ومع أن الوقت مازال مبكرًا على موعد النوم؛ لكن اليوم استثناء؛ فكل شيء يجب أن يكون في مكانه قبل وصول الضيف. تُكمل أمي لوازم البيت وتتجه إلى حِماه القريبة؛ لتبدأ هندسة جغرافية؛ إنه رسم بالفأس لتحويل مجرى الماء عن أركان البيت (الوني) تنهي أمي عملها الخارجي؛ وتدخل البيت لتبدأ بإعداد الوليمة؛ فهي تعرف عادات أبي في مثل هذه الظروف؛ يحضر أخواي؛ فيخرج أبي ليذبح الجدي، ويأمر بسلخه وتقطيعه بسرعة؛ فالضيف قارب على الوصول؛ يتكلم الرعد؛ فأصمت أنا وأخي الأصغر، ويبتسم أبي ويقول: (هاهو وصل) ويقصد الغيث؛ إنه الضيف الذي ينتظره بشوق، يعاود الرعد الكرَّة، وهذه المرَّة أقرب وأقوى بكثير؛ يدر السحاب بصيبٍ أجبرنا على الجري مسرعين نحو البيت على عكس أبي الذي بدأ، وكأنه يمشي في موكب مراسم السلطان؛ دخلنا جميعًا البيت يغبطنا الفرح والسرور استبشارًا بالغيث، وكان أبي أكثرنا غبطة وسرورا؛ أقتربت أنا، وأخي الأصغر من ركائز البيت وبدأنا نلعب بهدوء، وخبث، حتى اصتدمت رأسي بإحدى الركائز بقوة فأجلستني أرضًا دون أن يلاحظ الآخرون باستثناء أخي الأصغر الذي ما أنفك يضحك متشمتًا، وبعد أن هدأت حرارة الضربة قُمتُ وقَبَّلتْ الركيزة التي ضربتها برأسي، واعتذرت لها اعتذار الابن البار؛ وهذه قصة أخرى لها معانٍ ودلالات عميقة وعديدة لا سبيل لحصرها؛ ولكن لأباس من الإيحاء لبعضها؛ فالركائز بالنسبة لي ولإخوتي، ولغيرينا ممن ولد في بيت الشعر هي مسقط الرأس -وما أدراكَ- يشتد نزول المطر بغزارة حتى أنك لا ترى شيئًا غير المياه تدفقًا من السماء وسيلًا فوق الأرض، وهنا بدأ أبي يشعر ببعض القلق ويتمتم: (السُّراح بيقرسوا) إنها النفس البشرية وتمرجحها بين فرح وقلق. يستمر هطول المطر بغزارة إلى قبيل أو عند العصر تقريبًا، ثم يتوقف لتبدأ رحلة التفقد والبحث وبعض التفاصيل التي استدعتها الذاكرة بعد سبعة وثلاثين عام في يوم تشابه في توقيته سقوط المطر واختلفت فيه باقي التفاصيل؛ فلا المكان ولا الزمان ولا الأرواح كما كانت في ذلك الحين؛ فما هي اليوم إلَّا روحًا حالمة ومشاعرَ حُبلى بالشوق والحنين إلى هاتيك المغاني الوارفة تناغمت مع أهازيج المطر الذي تطرق دفوفه خارج بيتي الحجري؛ فتسمعها الآذان لحنًا باهتًا يستدعي حرفًا أعرجًا في محاولة بائسة لرسم بعض الملامح لبقية المشهد في ذلك اليوم المطير. وهذا ما استطاع الحرف ترجمته في نص غلب عليه الحنين والشوق، وخذلته الشاعرية...
.
"النص"
تذللت ورفـعت إيــدي 🤲 يا لله صـيبك النــافع
شبـهت بالغيث سيـدي..اللـي كان لحمول رافع
••• .
فـ الغيث هائج اعصاري..استوحشت هاض حِنِّي
مع السيل سالت أنضاري..تقول مـزن فيَّ و منِّي
ســـافرت بيــهم أفـكاري.....لأطــــلالنا بالتعـــنِّي
أمنين كان سيدي يجاري..مع الغيث يطرب يغني
يهاجي: أشبوب البداري..العـام "مارس" امحــنِّي
يقــول: وينكم يا ضـراري..خليـكم: أُقــراب مـني
ويا مربّحَة الحـبل جَـاري..اثـنِّي وعـ: البيت وَنِّـي
إِنْ سَحّتْ عقاب النهـاري..قفل بُلغته وناض عنِّي
تنـقّب وساند الـواري.....و قـال بالكــم يا ضـنّني
ترَه ارقبوا عـ: الظهاري..أكبـادي السارح شغلـني
اصغيــر فـ: خـوتي نمـاري..نعـاند بشـنِّي، ورَنِّــي
تلامحت حاجة إيسـاري..ناديت: سيـدي/سألني؟
هاهـم أُمـات البـكاري..الســارح معــاهم امهـنِّي
تبسَّـم نشلـني اُغمــاري..مـكافــاة لـيَّ؛ حمـلـني
عُـدنا قـدا النجـع طـاري..تخاليـط ليـلي عجـلني
-أكرمتوا- فزعـوا الضواري..ترحيب لول وصلني
وراهــم "لبـــوة" بـــراري..تـــزأر، وتســال عَــنِّي
قدا حُضنها جيـت جـاري..فرحـان طـارب نغـنِّي
وفـ: البيت قمنا السهـاري..تقصيــر ليـل وتهــنِّي
رغاء الحجل كِنَّه كناري..وزريـاب في الوذن فَـنِّي
وليــمة خيــار البــداري..غــاية حـــدود التمــني
وشـاهي بنكهة جداري..على الجمر أخضر وحِنِّي
سُمَّــار سيـدي وجــاري..صـداهم سكـنِّي مكـنِّي
متهمم فـ: حُمـر الوزاري..رمي طرفها فـوق مِـنِّي
تـاعـب ومانيـش داري..رمـاني فـ: حجــره منـني
تقول في سرايا المهاري..متهـني ولا من شغلـني
استاقضت م الفجـر سـاري..لثـريت حلمي تمني
مخلـوع وغطـاي عـاري..والقلب صبـره خـذلني
خيال هـزني فـ: غيـث باري..كفلـني بحبله رسـنِّي
أحييه عـ: الوقت ناري.جمام فيض شوقي غسلني
•••
شطيت بيدي وقيـدي..ناضت فـ: جاشـي مدافع
و زايد خذلــني قصيدي..أعــرج ومـا هـوش نافع
بقلم
الدكتور خليفة أبوخليدة"
