الأزقة محمومة بالحفاة..و الكل يعبر عن قلقه بالدعاء ..الأن بات الخوف يحاصر المكان و لا شيء ينتظر ...كل الدروب سدت و المسالك ليس لها سبيل و خيارك إما أن تستمر أو أن تستمر ...إما أن تستمر بالدفاع عن نفسك أو تستمر بمجاراة المدافع و تسلم لها أمرك ...
الماء بات فاترا كحرارة الشمس الخانقة ..والجوع قد يصبح كافرا أذا تجاوز الفاصلة ...والصغار وحدهم لا يدكرون حجم الكارثة ....وهناك صبية تصرخ تمنت لو أنها لم تلد طفلها....ولو منحها الله خيارا لأرجعته في احشاءها ظنا منها أنها تحميه ...و النسوة الكبار دموعهن مسابح ..احوالهن جسام ...مابين مشروع الأمومة و مشروع الشهادة ....هناك تفاصيل وطن ...
إنها الرابعة بتوقيت الغياب و صراخ الصبية يصم أذني .....شهيد ...شهيد ....قفزت لا أدري لماذا ....لكنه نداء إلهي أخبرني...عليك الخروج....لم تكن الا خمس خطوات ....حيث كان مسجى....بعيد قريب ....خانتني كل العبارات و ماتت الحروف بصدري ....كانت الدمع يحتبس و الصبر يختلس و في لحظة مافهمت كنهها حتى اللحظة ....لبست قناع العزم و قلت شهيد ...لم أرى هيئته ولا جمال تبسمه و بقيت بين نزف رفاقه اجتهد الحفاظ ....كلما بللتهم بوابل الدموع قالوا ...كفى ...نحن هنا وجميعنا سنكون مثله ....يحملون لهيب الجفون التى تحرق خدي و امسحها بالدماء ....لم يهمني كيف صارت ملامحي ملطخة ...كيف أن قدماي مخضبة بحناءهم و الظلمة تغمر المكان ...لا ضوء ...لا مزيد من دواء ...و آنين أوجاعهم يجوب بالمكان ...اقول صبرا إخوتي...قريبا تحملون للمشافي و تتلقون الرعاية والعلاج....لكنهم حين حاولوا الذهاب بالظلام تلقفتهم رعونة الظلام و بدل ان يناموا بعناية الأقسام ....كان النصيب الضرب و السجون .....
العاشرة بتوقيت الوداع جلست بجواره رفاقه بقية العرسان و قرأت عند جبينه المثقوب ما استحضرته الروح من الذكر الحكيم ...حاولت لمس جبينه بإصبعي لكن كفي سافرت حتى المغيب...و تصبغت بمسكه و رأت هدوء ملامحه و البسمة النقية البيضاء ....حذاؤه الذي عشق و زيه الذى أراد ...و خاتم كان قد اشتراه ربما بدينار....بات مرغوب ثمين ...و الحكاية أنني حتى و ذكرى غيابه التاسعة ما بكيت ولا نسيت ولا سهيت ولا غفلت عن رائحة الطهارة بالبيت ....كلما التفت أجدهم هنا ....حيث كنا تزدحم و كلنا يبتسم .....ضجيج غيابكم مازال بالمكان حتى و النساء انجبت لكم نسخا كثيرة لكنكم تبقون...عطري و راحتي....تبقون ذاكرتي المليئة ....تبقون ثقب لا يسد ....حتى تندثر الخليقة ....!
بقلم طيف عبدالله


