المفارقة في النص الأدبي بين
الواقع والاختيار -الجزء الأول -
آمال بوحرب
—————
كان الأدب ولا يزال نتاجا فكريا وروحيا
وثقافيا ابداعيا يعكس الصورة النهائية التي يقوم عليها الصراع بين الذات والموضوع، الخارج والداخل، الحياة والموت، المتصور والمألوف، الفاني والأبدي، والرؤية المزدوجة في الحياة، فإنها خير ما يمثل الأدب، باعتباره تمثيلاً نقياً لما يجب أن يكون، تجاه الكائن (الموجود) الفاسد،إذ أن المفارقة تخلق توازنا في الحياة والوجود، فهي نظرة فلسفية للحياة، قبل أن تكون أسلوبا بلاغيا، ندرك بها سر وجود التنافرات والتناقضات، التي هي جزء من بنية الوجود نفسه لذا يقول الناقد الكبير أ.اي. ريتشارد: " أن المفارقة استحضار الدوافع المتضادة من أجل تحقيق وضع متوازن في الحياة". فهي بهذا المعنى، ترفع الإنسان فوق معضلاته، وهمومه العصية في الكون، وتمنحه حرية التجاوز. لذا يقول غوته بهذا الصدد "أن المفارقة ترفع الإنسان فوق السعادة أوالشقاء، الخير والشر، الموت والحياة. وحين تتكشف لنا المفارقة في الحياة، تبدولنا الحياة على حقيقتها، فهي مرآة الحياة الصافية وهذا ما دعا توماس مان أن يقول أن المفارقة لمحة صافية، تتصف بالحرية والهدوء، وهي لمحة الفن الصافي نفسه.
إن حس الكاتب أو الشاعر بالمفارقة لا يقتصر على رؤية الأضداد ووصفها في إطار المفارقة، بل في قدرته على إعطائها صورة في الذهن أولاً، ثم مطاردتها في الحياة والواقع. عندها يستطيع أن يتفاعل مع ما يحدث في الواقع ضمن مفهوم المفارقة و يمكن تلمسها في محاور الحياة والموت، والقيم الاجتماعية والأخلاقية ، والتجارب الوجدانية، والأبعاد الدينية و. لاستحواذها على الفكر والنشاط اليومي للإنسان الجاهلي، ولا سيما إفصاح شعراء العصر عنها.
وإن كانت المفارقة تعبيرا لغويا بأسلوب بليغ يهدف إِلى استثارة القارئ وتحفيز ذهنه لتجاوز المعنى الظاهري المتناقض للعبارة ، والوصول إِلى المعاني الخفَّية فإن مرام المفارقة في الشعر العربي كثيرة بعضها ينبع عن إحساس صادق والأخر يجنح إِلى التفكير العقلي حيث تكون المفارقة مزيجاً بين العاطفة والعقل وإن كانت تزخر بأبعاد مختلفة فالجوانب التطبيقية للمفارقة مقارنة بالجوانب التنظيرية، تجعل من الآلية الثنائية (المداخلة / المفارقة ) أساساً تنطلق منه لتشكل المفارقة عن طريق التناص. وهذا يؤكد إمكانية تحقيق المفارقة على المستويات الصوتية والتركيبية
.تعدُّ المفارقة جوهر الحداثة والانفتاح ، لأَنَّها وحدها قادرة على إقامة عالم جديد مُخيل على أنقاض عالم الواقع المعيش ، وهذا الانهدام لعالم الواقع والبناء في عالم الخيال هو خطوة ضرورية ودقيقة في طُرق التغيير
وإذا تجاوزنا المفهوم الشائع للمفارقة بوصفها صياغة لغوية قائمة على تناقض بين معنى ظاهر وأخر خفي فهي لعبة عقلية من أعظم لعب العقل ومن أرقى أنواع النشاط العقلي وأكثرها تعقيدا ، وأهمية المفارقة تكمن في رفع مستوى النص الشعري ، وضرورة أن يوازن الشاعر في مفارقاته بين العقل والمشاعر لأن الشعر أساسا هو وليد الأحاسيس والمشاعر.
يتبع ….